الحوار : رشا حافظ
في روايتها الأخيرة “الخيال يونس”، تأخذنا الكاتبة فاطمة النجار في رحلة آسرة تجمع بين الحنين، والحب، والبطولة، والحقيقة الضائعة. الرواية التي تنطلق من مملكة خيالية، وتنتهي عند سؤال إنساني عميق: هل يمكن للذاكرة أن تهزم النسيان؟ وهل للقلوب القديمة أن تلتقي بعد أن فرقتها السلطة والخوف؟
تدور أحداث الرواية بين عالمين متداخلين: قصر الملك محمود، حيث تعيش الأميرة ملاك وسط أسرار العائلة وقيود الممنوع، وقرية بعيدة يقيم فيها يونس، الفارس الغامض الذي لا يعرف الخوف، ولا ينسى وعدًا. بين “اللعبة الخشبية” و”القلادة الفضية”، تبدأ رحلة البحث عن الحقيقة والحنين، في سرد مشحون بالعاطفة، واللغة، والرمز.
في هذا الحوار، نقترب من عوالم الرواية من خلال صوت كاتبتها، التي فتحت قلبها للحديث عن خلفيات الحكاية، أبطالها، ورمزيتها العاطفية العميقة.
⸻
س: روايتك “الخيال يونس” أثارت تفاعلًا كبيرًا بين القرّاء، من حيث اللغة والشخصيات والعوالم المتشابكة. ما الذي ألهمك لكتابتها؟
ج: الدافع الأساسي كان الحنين. “الخيال يونس” ليست فقط عن فارس، بل عن الطفولة، عن الذاكرة، وعن تلك الخيوط الدقيقة التي تربط البراءة بالفقد. لطالما رغبت في كتابة عمل يعيدنا إلى تلك اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أنه فقد شيئًا لا يعرف اسمه، لكنه يحاول استرجاعه طوال حياته.
س: هناك تناص واضح مع قصص الفروسية الكلاسيكية، ولكن في بيئة عربية، خيالية، وملوّنة بالتفاصيل. كيف بنيت هذا العالم؟
ج: أنا من المؤمنين بأن أي حكاية عظيمة تبدأ من مكان مألوف. لذلك أردت خلق مملكة ليست حقيقية ولا تاريخية، لكنها مألوفة وجدانيًا للقارئ العربي. استعنت بخيالي، بالتاريخ، وبذاكرتي الشخصية—أسماء مثل “الخيال”، “ملاك”، “ألكسندرا”—كلها رموز لمعانٍ أعمق من مجرد أسماء شخصيات.
س: نلاحظ تعاطفًا واضحًا مع شخصية “ملاك”، حتى أن الرواية كثيرًا ما تُرى من منظورها. هل تمثّل ملاك شيئًا خاصًا بالنسبة لك؟
ج: ملاك تمثل النقاء المكسور. إنها الطفولة عندما تصطدم بالقسوة، الحنين حين يبحث عن إجابة. كنت أريد أن أقول إن الطفلة التي فقدت أمها، لم تفقد القدرة على الحب، بل كبرت وهي تبحث عنه في وجوه الآخرين—في الحارس، في الفارس، في الخيل، وفي الأحلام.
س: وماذا عن يونس؟ شخصية معقدة، مزيج من الفارس الشهم والرجل الحزين، هل هو امتداد لحكاية رومانسية خفية؟
ج: يونس هو الحارس الصامت故 لذاكرة الحب. هو رجل يعيش على الهامش لأنه اختار النُبل لا السلطة. في داخله عاشق مكسور، لكنه لا يريد أن يكون ضحية. “الخيال يونس” ليست فقط رواية فروسية، بل رواية عن رجل ضحّى بالمكان والمنصب من أجل الوفاء لقلبه.
س: كيف تصفين العلاقة بين يونس وملاك؟ هل هي حب؟ حنين؟ أم شيء يتجاوز التصنيف؟
ج: العلاقة بينهما هي ما قبل الحب، هي البرزخ العاطفي الذي يجمع بين الطفلة التي كبرت، والرجل الذي لم ينتهِ من الحداد. لا أريد أن أضع لها تصنيفًا واضحًا، لكنها علاقة قائمة على الذكرى والبحث عن الحقيقة، واعتقد أن كل قارئ سيجد لها تأويلاً يخصّه.
س: لاحظنا دورًا لافتًا لصديقتها فتون. شخصية جريئة ومشاغبة، لكن وفية. كيف تنظرين إليها؟
ج: فتون هي الصديقة التي نتمنى جميعًا أن نمتلكها. مزيج من الجنون والحكمة، هي التي تدفع ملاك نحو المصير، لكنها لا تتخلى عنها لحظة. أؤمن أن في كل امرأة فتون صغيرة، تقف على حافة المنطق وتدفعنا نحو الحرية.
س: أخيرًا، ما الرسالة التي أردتِ إيصالها من خلال “الخيال يونس”؟
ج: أن القلب الذي لا يخون ذكرياته سيصل، حتى لو تأخر. وأن الحقيقة دائمًا تستحق المخاطرة. أردت أن أقول إن الحب الحقيقي لا يُنسى، بل يختبئ خلف السنين، بانتظار لحظة شجاعة واحدة… تمامًا مثل ملاك عندما قررت عبور الجسر رغم الألم.

